هل تغيرت تجارة التجزئة إلى الأبد؟


مدير الخدمات التخصصية في سَفِلز – البحرين
ماجستير، المعهد الملكي للمساحين القانونيين

من أكثر الأسئلة التي يسألني إياها العملاء هو: “هل عدد المجمعات التجارية في البحرين يفوق الحاجة لها؟”. بالرغم من أن ثقافتنا ومناخنا تشجع على مشاريع تطوير المجمعات التجارية، إلا أن انخفاض نسب إشغالها في الأعوام القليلة الماضية قد يعطينا إجابةً عن هذا السؤال.

يبين لسان الحال أن بعض مجمعات التجزئة البارزة التي كانت تتمتع سابقاً بنسب إشغال تصل 100%، انخفضت نسبها الآن إلى ما يقارب 80%. كما يُلاحظ امتداد فترة تجديد التأجير في عدد من مشاريع المجمعات الجديدة لفترات تفوق السنة بكثير، والنتيجة هي أن كثيراً من المستأجرين اختاروا عدم التجديد، أو في بعض الحالات اختاروا الانتقال إلى مواقع أخرى أو حتى الخروج كلياً من السوق. ثم جاءت جائحة الكورونا فوق كل ذلك لتغير أنماط حياتنا وتسوقنا وعملنا وسفرنا في شتى بقاع المعمورة، وقد تكون هذه الآثار دائمة لا رجعة فيها.

وفقاً لبيانات مركز بحوث البيع بالتجزئة، فقد أغلق 15,747 محل للبيع المفرّق أبوابه نهائياً في المملكة المتحدة في 2020. يشير هذا إلى تحولٍ سريعٍ في قطاع محلات التجزئة التقليدية لم يستثنِ حتى الأسواق الناضجة. أما هنا في البحرين، فقد شهدنا حركة نشطة إلى حد ما تتجه نحو إنشاء مشاريع بيع التجزئة في البلدات السكنية خارج المدن، ويعود هذا إلى ارتفاع الطلب على نقاط البيع القريبة من المنزل مع توفر أماكن اصطفاف قريبة منها، وذلك بسبب الظروف الوبائية التي دفعت الناس إلى العمل من المنازل. تتميز هذه الوحدات بتكاليف أقل ومساحة أصغر، مما شجع على ظهور الأعمال الناشئة والأفكار المبتكرة في السوق وجذب فئة الشباب.

بالرغم من أن هذه التغيرات تثير بعض القلق، إلا أن على العاملين في الأسواق الأخرى الاستفادة من هذه الدروس لتمييز مواطن الفرص، ويُذكر أن هذا الجانب يتخذ أهمية كبرى في البحرين وفي المنطقة المحيطة ككل، نظراً إلى أن التسوق الإلكتروني لم ينتشر انتشاراً كبيراً كما هو الحال في الأسواق الغربية.

ومع أن الجائحة دفعت الكثير من تجار التجزئة لاستخدام استراتيجيات قنوات أكثر شمولية وتكاملاً، إلا أن منصات التسوق مثل أمازون ونون لم تستطع اختراق السوق بشكل كبير بسبب تأخيرات الشحن، مما يعني أن وضع التسوق عبر الإنترنت ما زال غير ثابت في الأسواق المحلية.

لا يقتصر التحول المطلوب في الاستراتيجية على خلق حضور عبر الإنترنت فحسب، وإنما يقتضي أيضاً التنويع في الأعمال والنشاطات. على سبيل المثال، تخطط متاجر جون لويس في المملكة المتحدة، والتي تحقق 70% من مبيعاتها الكلية عبر الإنترنت، لبناء وحدات سكنية في 20 من مواقع متاجرها. لكن هذا لا يعني أن دور المتجر التقليدي أو متاجر الشارع الرئيسي لم يعد هاماً، على العكس، فقد أصبحت شركة أمازون مثلاً تشغل مثل هذه المساحات بابتكار وتطبيق أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا للرقي بتجربة المستخدم لمستويات غير مسبوقة، من خلال استخدام الواقع المعزز والذكاء الاصطناعي.

على سبيل المثال، تسمح متاجر بِقالة “أمازون جو” للمستهلكين التسوق دون وجود طاقمٍ للبيع ودون الحاجة لعمليات التسجيل اليدوي للمشتريات والدفع. ونجد في البحرين جهوداً في هذا الاتجاه الافتراضي، فقد تحركت وزارة الصناعة والتجارة والسياحة بسرعة منذ بداية الجائحة لمساعدة قطاع التجزئة في الوصول للمستهلك من خلال منصة عبر الإنترنت تحاكي مجمعاً تجارياً لعرض بضائعهم. بالمثل، يقوم تطبيق واتساب بتجارب لإقامة شارع رئيسي افتراضي بما يحتوي من متاجر عديدة بالتعاون مع مجلس واتفورد بورو في المملكة المتحدة.

ستحافظ متاجر التجزئة على وجودها بشكل أو بآخر في كثير من الحالات، ولكن زمن المجمعات التجارية الضخمة التي تشغل آلاف الأمتار المربعة يبدو على وشك الانقضاء. في المقابل، يتيح حجم سوق البحرين وشعبها اليافع المتعلم، التبني السريع للابتكارات والتكنولوجيا الحديثة، هذا إلى جانب العوامل المشجعة التي تضم موقع البحرين الجغرافي الاستراتيجي وجهود مجلس التنمية الاقتصادية الجبارة في تنشيط السوق. يقودني كل ذلك للاعتقاد بأن الظروف مهيأة اليوم لاقتناص هذه الفرصة الذهبية التي لا تُعوّض والتي ستتيح لنا ريادة هذا المجال وتغيير مسار السوق البحريني في سياق إقليمي أوسع.